صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

11

تفسير القرآن الكريم

الأخبار ، والاحتجاب بأوائل الأنظار ، من دقائق العلوم الجزئية ومعارف الأحكام الفرعية ، وإلا فما من شيء إلا وفي القرآن ما يكشف عن حقيقة ذاته ويسهل السبيل إلى نيل كنه صفاته ، لكنك أيها المغرور المسرور بما عندك من القشور - محجوب عنه لجحودك بما سوى ما سمعته من المشهور ، أو فهمته من الزبور ، فغاب منك الخبر المبرور ، والحظ الموفور ، كل ذلك لإعراضك ، عن العلوم الربانية ، وأسرار التنزيل من الحكمة الإلهية التي من يؤتها فقد أوتي خيرا كثيرا ، واغفالك عن أن حقايق الكتاب مما لا يعلمه إلا الراسخون في العلم ، لا المشتغلون بدقائق علم العربية ، وفنون الصنائع الأدبية ، كالزمخشري وأترابه ، فإنهم في واد ، وأهل القرآن وهم أهل اللّه وخاصته في واد . ثم إنك أيها المغترّ بفطانتك البتراء لو أنصفت قليلا وزالت عنك غشاوة المراء والامتراء لعلمت إن المشار إليهم بقوله تعالى : إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [ 26 / 212 ] كانوا عارفين بدقائق علم الألفاظ وفنون تأدية الكلام ، على ما يوافق المرام لأنهم من العرب العرباء وفصحاء الدهناء بل إنما انعزالهم عنه لعدم استعدادهم للاهتداء بأنوار القرآن والارتقاء إلى أعلام الحقيقة والعرفان ، والاطلاع على أسرار المبدإ والمعاد ، والوصول إلى عالم الملكوت والتقرب بالحق الجواد . ثم لا يخفى على أولى النهى أن تولي مثل أبي لهب وأبي جهل وغيرهما عن القرآن وانعزالهم عن السمع ليس من جهة عدم فهمهم ترجمة القرآن أو عدم اطلاعهم على ظاهر العربية وقواعد النحو والصرف وعلم البيان ، ولا لأجل الصمم في آذانهم الجسمانية والعمى في أعينهم البدنية والبكم في قلوبهم الحيوانية ، ولكن لأنهم كانوا من أهل الغفلة والحجاب الكلي عمى القلوب عن مشاهدة الحقايق ، صم العقول عن سماع ذكر الحبيب ، بكم الأرواح عن قبول دعوة الإله واستدعاء طلب التقرب إلى الحق بالإعراض عما سواه كما أخبر اللّه عنهم بقوله : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ 2 / 171 ] . والقرآن غذاء للقلوب الصافية ، وبلاء للنفوس المريضة بداء الجهالة لقوله